أحمد بن علي القلقشندي

377

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تشوّقت [ إليه ] ( 1 ) بعدها تلك المشاهد ، وتشوّفت إلى العود هاتيك المعاهد ، وقضى الوفاء أن يعاد إليها أحسن إعادة ، وأن يرجع إلى الأماكن الشهيدية الشاهدة ببرّه فتكون منه عادة ومنها شهادة ، واقتضى الاستحقاق أن يردها بالمعلوم المستقرّ وزيادة وأحسن ما ورد البحر في الزيادة . فلذلك رسم بالأمر الشريف - أعلاه اللَّه وشرّفه ، وحلَّى بسيره الصالحة سمع الدّهر وشنّفه - أن يستقرّ فلان في تدريس المدرسة النّورية بحمص المحروسة على عادته ، وعلى نهج إفاءته وإفادته ، بالمعلوم المقرّر له بمجلس الحكم العزيز الشافعيّ بدمشق المحروسة : رعاية لتلك المعاهد النّوريّة الَّتي تتأرّج بها الآصال والبكر ، وأنوار القبول القائلة لوفدها الطارق : « عليك سلام اللَّه يا عمر » . فليعد إلى هذه الوظيفة عود الحليّ إلى العاطل ، وليقبل على رتبته المرتقبة إقبال الغيث على الماحل ، وليقل بلسان تقدّمه لمعانديه : إن كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في قابل ، ولينصر بقاعها الحمصيّة بجلاد جداله فإنّها من أوّل جند الإسلام ، وليقم الآن في هذه الأوقات الشّاميّة فإنّه بركة الوقت والبركة في الشّام ، مثمرا من أقلام علومه أزكى الغروس ، مظهرا من مباحثه النّفائس مبهجا من طلبته النّفوس ، عامرا لمعاهدها بدروسه : ويا عجبا لمعاهد تعمر بالدّروس ( 2 ) ! ، ذاكرا للوصايا الحسنة الَّتي لا تقصّ عليه فهو أخبر بها ، والَّتي من أوّلها وأولاها تقوى اللَّه تعالى وهي بأفعاله أمسك من تفاعيل العروض بسببها ، واللَّه تعالى يعضّده في رحلته ومقامه ، ويمتع الرّتب تارة بمجالس دروسه وتارة بمجالس أحكامه ، ويروي صدى مصر والشّام من موارد علمه ، هذه بأوفى من نيلها وهذا بأوفر من غمامه .

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) يقال : درس درسا ودروسا . ودرس الكتاب ، معروف . ودرس الشيء : عفا وذهب أثره .